يشق الصحفي والكاتب والمنتج الإذاعي الفرنسي فيليب كولين طريقاً خاصاً في المشهد السمعي الفرنسي، عبر سلاسل بودكاست طويلة ومعقّدة تُعيد قراءة الصفحات الأكثر إحراجاً في التاريخ الفرنسي، وعلى رأسها سنوات الحرب العالمية الثانية والتعاون مع النازية. من خلال عمله، لا يكتفي كولين بسرد الماضي، بل يحاول أن يجعل منه أداة لفهم الحاضر والدفاع عن قيم الجمهورية.
أبرز أعمال كولين يتمثل في سلسلة بودكاست «في مواجهة التاريخ»، التي حوّل فيها قضايا معقّدة إلى سرد إذاعي جذاب يجمع بين المقاطع الأرشيفية، وقراءة الرسائل والمذكرات بصوت ممثلين، وحوارات معمّقة مع مؤرخين. إحدى الحلقات التي لاقت انتشاراً واسعاً قادت المستمعين إلى قلعة ألمانية عتيقة في جنوب غرب ألمانيا، حيث احتمى بعض رموز حكومة فيشي المتعاونة مع النازية في نهاية الحرب وهم يخططون للعودة إلى باريس على ظهور الدبابات الألمانية. إن استحضار هذه اللحظات الهشة في الذاكرة الوطنية، والتي يفضّل كثيرون نسيانها، جعل من كولين واحداً من أكثر صناع البودكاست تأثيراً في فرنسا المعاصرة.
نجاح «في مواجهة التاريخ» لم يبق حبيس العالم الرقمي، بل تمدد إلى وسائط أخرى. فقد أنتجت السلسلة كتباً مشتقة، وأفلاماً وثائقية تلفزيونية، وحتى عروضاً مسرحية مطولة عن شخصيات مفصلية مثل ليون بلوم، أول رئيس وزراء يهودي في تاريخ فرنسا، الذي انتهى به الأمر في معسكرات الاعتقال النازية. هذا التداخل بين البودكاست والكتاب والمسرح يعكس قدرة كولين على تحويل التحقيق التاريخي إلى مادة ثقافية شاملة، تعيد طرح الأسئلة حول الهوية والذاكرة والعدالة التاريخية.
غير أن هذا الحضور القوي لم يمر من دون إثارة جدل. ففي تناوله لحرب الجزائر، وملف التعذيب المنسوب لجان-ماري لوبان، اتُّهم كولين بالتخفيف من حدة الوقائع أو عدم التدقيق الكافي، ما دفع بعض المؤرخين إلى اتهامه بالتسرّع في اقتحام ملفات حساسة من دون إلمام كافٍ بكل تفاصيلها. هذا الجدل سلّط الضوء على الخط الفاصل بين الصحافة الثقافية والبحث الأكاديمي الصارم، وعلى حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه البودكاست في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية.
خلف هذا العمل السمعي المكثف تقف سيرة شخصية مشبعة بالتاريخ العائلي للحرب. فقد نشأ كولين في أسرة ما زالت آثار الحرب العالمية الثانية حاضرة في أحاديثها اليومية، واكتشف لاحقاً أن أحد أعمامه الكبار خدم في صفوف وحدات «فافن إس إس» النازية قبل أن يتبين له، عبر الوثائق، أنه كان مجنداً قسرياً. هذا الاكتشاف، وما رافقه من شعور بالذنب وسوء الفهم، دفعه إلى نشر رواية مصوّرة عن سيرة هذا القريب، في محاولة للاعتذار وإعادة تركيب تعقيد المواقف الأخلاقية في زمن الحرب.
هوس كولين بالحرب العالمية الثانية لا يمنعه من توسيع عدسته التاريخية. فهو يعود في أعماله إلى قضايا مثل قضية درايفوس، نابوليون، موليير، جان دو باري، وصولاً إلى تمثال الحرية كرمز للعلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة وقيم الحرية والمواطنة. غير أن الخيط الناظم لكل هذه السلاسل يظل واحداً: الدفاع عن «قيم الجمهورية» كما يعرّفها كولين، أي الحرية والمساواة والأخوة، والأنظمة والمؤسسات التي تحاول ترجمتها في الواقع.
في سياق صعود اليمين المتطرف في فرنسا، وتصاعد المخاوف من حرب أوروبية أوسع، واحتدام الاستقطاب السياسي والاجتماعي، يتعامل كولين مع البودكاست كنوع من «مضاد حيوي ديمقراطي» يحفّز الذاكرة التاريخية لمقاومة نزعات الانغلاق والعنصرية وإعادة إنتاج منطق الثلاثينيات. ومع ذلك، يؤكد أنه لا يمارس السياسة المباشرة، بل يكتفي بدور الراوي الذي يضع أمام الجمهور مرآة الماضي ليقرأ بها ملامح الحاضر، تاركاً للمستمعين مسؤولية استنتاج ما يلزم للدفاع عن جمهوريتهم اليوم.



