أقرب من الخوف: في أغنية «خدني حبيبي» لماجدة الرومي
أقرب من الخوف: في أغنية «خدني حبيبي» لماجدة الرومي
منصة المَقالاتيّمنصة المَقالاتيّ
00:00
03:53

تُعدّ أغنية «خدني حبيبي» واحدة من أكثر الأعمال الرومانسية في البدايات الفنية لماجدة الرومي، تلك المرحلة التي سبقت انتقالها نحو الأغنية الوطنية والالتزام الإنساني. تنتمي إلى مناخ السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث كان المزاج الغنائي العربي يعيش حالة مزج بين المدرسة الطربية الكلاسيكية وبدايات العاطفية القصيرة ذات الإحساس العميق. هذا المزيج ساعد على أن تتشكّل في سياق فني غني، ما جعلها تعيش في ذاكرة المستمعين حتى اليوم.

تقوم «خدني حبيبي» على قصة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: صوت عاشق خائف من الوحدة، يخاطب حبيبه برجاء صريح أن يأخذه من حافة الغياب إلى حضن الأمان. الكلمات، التي تتحرك بين لغة عامية لبنانية رقيقة وصور شعرية شفافة، ترسم ملامح حالة إنسانية يعرفها معظم من عاش تجربة الحب: خوف من الفقد، إحساس بالضياع، وحاجة لأن يصبح القلب الآخر وطناً بديلاً عن عالم بارد وغريب. يتكثف هذا الشعور في استعارات مثل الليل والضباب، وهما صورتان قويتان لتمثيل القلق واللايقين، في مقابل فعل الاحتماء «خبّيني بقلبك» الذي يختصر معنى الحب كملاذ أخير.

في أداء ماجدة الرومي، لا تقوم قوة الأغنية على الاستعراض الصوتي بقدر ما تقوم على صدق الإحساس والتحكم الدقيق في الانفعال. صوتها السوبرانو يتدرج بهدوء، كمن يهمس برجاء لا يريد أن يتحول إلى صراخ. هذا التوازن بين قوة الصوت ورهافة التعبير جعلها قادرة على أن تلامس المستمع من الداخل، فالمستوى العاطفي فيها يتقدم على المستوى الاستعراضي، وهو ما ينسجم مع ملامح تلك المرحلة المبكرة من مسيرتها، حيث كانت تبني صورتها كصوت رومانسي رقيق قبل أن تتحول إلى رمز في الأغنية العربية الراقية.

يمكن قراءة الأغنية من الناحية الدرامية كرحلة انتقال من الهامش إلى المركز، من باب البيت إلى قلب الحبيب، من الضباب إلى الوضوح. البداية تأتي بصيغة طلب مستعجل «خدني حبيبي عجّل»، ما يشي بشعور بالاستعجال الداخلي، كأن الزمن نفسه يتحوّل إلى تهديد. ثم تتصاعد الصور بين «الدنيّ عم بتغيب» و«الليل الغريب» وصولاً إلى لحظة الاحتماء: الدخول إلى القلب والاختباء فيه. هنا يتحوّل الحب إلى مساحة جغرافية كاملة، لها باب وحدود وداخل وخارج، وكأن الضمير العاطفي للحبيب يُستعار ليصبح وطناً بديلاً عن خراب العالم.

تتجلّى فرادة «خدني حبيبي» أيضاً في بساطتها. فهي لا تعتمد على تعقيد لغوي أو تركيب مجازي متكلف، بل على مشاعر مباشرة مصاغة بعناية. هذه البساطة الممزوجة بعمق عاطفي جعلت الأغنية قريبة من وجدان جمهور واسع، خصوصاً في عالم عربي عرف تقلبات سياسية وحروباً واغتراباً. فصار الخوف والبحث عن الأمان جزءاً من التجربة اليومية لملايين الناس. في هذا السياق، يمكن أن تُقرأ ليس فقط كنشيد حب بين شخصين، بل كتعليق ناعم على الحاجة الوجودية إلى ملاذ، إلى إنسان واحد على الأقل يمكن الاتكاء عليه عندما «تغيب الدنيا» حرفياً أو مجازاً.

تمثّل هذه الأغنية حلقة مهمّة في رسم ملامح شخصيتها الفنية على مستوى مسيرة ماجدة الرومي. فهي تكشف عن قدرة مبكرة على حمل نصوص عاطفية حساسة وتحويلها إلى حالة سمعية مكتملة الأركان، تمهّد لاحقاً لانتقالها إلى نصوص أكثر تركيبا سياسياً وإنسانياً مثل «كلمات» و«بيروت ست الدنيا» وأعمال أخرى شكّلت ركيزة صورتها كفنانة مثقفة وملتزمة. ولعلّ ما يجعل «خدني حبيبي» مستمرة في الذاكرة هو أنها تذكّر الجمهور بجانب حميمي وبدايات أكثر عفوية في مسيرة صوت أصبح لاحقاً رمزاً من رموز الأغنية العربية الراقية.