يا طيور بين عبقرية القصبجي وسحر صوت أسمهان
يا طيور بين عبقرية القصبجي وسحر صوت أسمهان
منصة المَقالاتيّمنصة المَقالاتيّ
00:00
06:46

من بين الصفحات المضيئة في تاريخ الموسيقى العربية تبقى أغنية «يا طيور» علامة فارقة تجمع بين عبقرية الملحن محمد القصبجي وسحر صوت الأميرة آمال الأطرش المعروفة باسم أسمهان. في هذه الأغنية بلغ الخيال اللحني للقصبجي ذروته، ووجد في حنجرة أسمهان المساحة الرحبة لتحليق نغمه بين الرهافة والتجريب، فخرج عمل يكاد يختصر جوهر المدرسة التجديدية في الموسيقى العربية خلال النصف الأول من القرن العشرين.

تبدأ «يا طيور» من بساطة نداء يتوجه إلى الطيور حاملة أشواق القلب ورسائله البعيدة، لكن هذه البساطة النصية تخفي وراءها بناءً درامياً محكماً يسير بالسامع من هدوء التأمل إلى توتر الشوق ثم إلى انفراج الأمل، في تدرج لحني محسوب بدقة. اعتمد القصبجي على جمل قصيرة تتكرر بصيغ مختلفة، تشبه الأمواج المتلاحقة، لتجسيد حال التقلّب العاطفي بين الرجاء والخوف، وبين انتظار الردّ وخشية الصمت. وفي كل مرة يعود فيها اللحن إلى فكرة سابقة يكون قد أضاف إليها تلويناً جديداً أو انتقالاً مختلفاً يذكّر المستمع بأن الشوق لا يعود أبداً إلى النقطة نفسها وإن تشابهت الحركات والعبارات.

صوت أسمهان في هذه الأغنية ليس مجرد أداة لأداء اللحن، بل هو جزء من صياغته الداخلية، كأن القصبجي لحن على مقياس حنجرتها بكل ما فيها من مرونة وغنى طبقي وقدرة على الانتقال الرشيق بين القرار والجواب. ما يلفت الانتباه أن أسمهان لا تستعرض قدراتها من أجل الإبهار، بل توظفها لخدمة المعنى؛ فحين يشتد النداء ترتفع الطبقة شيئاً فشيئاً حتى تبلغ الذروة، وحين يميل الكلام نحو الرجاء والابتهال يلين الصوت ويتحوّل إلى همس شفاف يكاد يلامس حدود البكاء المكظوم. هذا التلوين التعبيري الدقيق هو ما جعل كثيرين يتحدثون عن «المزاج السينمائي» لصوت أسمهان، خاصة في أعمالها مع القصبجي، حيث تتجسد الشخصية الغنائية كأنها بطلة على الشاشة لا مجرّد صوت على أسطوانة.

من الناحية الموسيقية، تنتمي «يا طيور» إلى عالم المونولوج العاطفي الذي برع فيه القصبجي، لكنه هنا يدفع بالشكل إلى مدى أبعد من الاعتياد السائد في زمنه، فيخرج من حدود التطريب الخالص إلى بناء أقرب إلى المشهد الدرامي المتكامل. يستعين في ذلك بانتقالات مقامية محسوبة وباستخدام ذكي للهارمونيات والتوزيع الأوركسترالي، بما يعكس تأثره بالموسيقى الغربية من دون أن يفقد روح المقام الشرقي وجوّ الطرب الأصيل. هكذا يجد المستمع نفسه أمام أغنية لا يمكن اختزالها في «طلعة» طربية واحدة أو «قفلة» مشهورة، بل في مسار كامل يحتاج إلى استماع من بدايته إلى نهايته حتى تكتمل صورته في الوجدان.

تاريخياً، تمثّل هذه الأغنية نقطة تلاقي نادرة بين ملحن كان يفتّش عن صوت يطيق مغامراته الفنية، ومطربة شابة تبحث عن مساحة تثبت فيها فرادتها خارج القالب التقليدي الذي رسّخته أسماء أخرى كأم كلثوم. وجد القصبجي في أسمهان الحلم القديم: صوت لا يخشى القفز على المألوف، ولا يهاب المساحات العالية أو التركيبات المركبة، ووجدت هي في ألحانه فرصة لتكريس صورتها كصوت مختلف، مزيج من الأرستقراطية السورية، والحساسية الشرقية، والانفتاح على روح الحداثة التي كانت القاهرة آنذاك تشتعل بها. وربما لهذا السبب تحديداً بقيت «يا طيور» حاضرة في ذاكرة عشاق الطرب، تعود إليهم جيلاً بعد جيل بوصفها نموذجاً للفن الذي استطاع أن يجمع بين الأصالة والابتكار من غير أن يضحّي بأحدهما لصالح الآخر.