يا من يفكِّر في صمت: نجاة بين هدير البحر وصخب العاطفة
يا من يفكِّر في صمت: نجاة بين هدير البحر وصخب العاطفة
منصة المَقالاتيّمنصة المَقالاتيّ
00:00
10:25

يا من يفكِّر في صمتٍ ويتركني للبحر أرفع مرساتي وأُلقيها، هكذا تفتتح نجاة الصغيرة واحداً من أكثر المقاطع تعبيراً عن حالة الانتظار المعلَّق بين رجاء وحيرة، حيث يتحوّل البحر إلى مرآة للروح، والمِرساة إلى محاولة لتثبيت مركب قلبٍ تلاعبت به الريح. في هذه الجملة وحدها تتكثف المفارقة: حبيب غارق في صمته، وراوية تحاول أن تُسمِع البحر ما عجزت عن قوله لصاحبه وجهاً لوجه، فتستعيض عن الحوار البشري بحوار مع الطبيعة التي تتلقى شكواها بصبرٍ لا ينفد.

صوت نجاة في هذا اللون من الأغنيات يجيء كهمس محسوب، ناعم الملمس، لكنه حاد التأثير، وكأنها تعلِّم المستمع أن العاصفة لا تحتاج دائماً إلى طبقات صاخبة حتى تعصف بمشاعره. تُلقي الجملة في سطرين قصيرين، لكنها تملأهما بتدرّج داخلي في النبر والإحساس؛ تبدأ باستفهام خافت «يا من يفكر في صمت» ثم تتجه إلى قرار حاسم عندما تقول «أرفع مرساتي وأُلقيها»، كأن السكون الأول كان تردداً، والحركة الثانية قراراً بمواجهة هذا الصمت بأقصى ما تملكه من جرأة عاطفية.

على مستوى الصورة، اختيار البحر ليس امتداداً طبيعياً لثيمة الوحدة التي كثيراً ما حضرت في أغنيات نجاة، حيث البطلة غالباً وحيدة في مواجهة عاطفتها، لا تملك سوى أن تحدّث نفسها أو تخاطب كياناً مُجرَّداً: الليل، الطريق، الموج، أو حبيب لا نراه. هنا يأخذ البحر دور المستمع الذي لا يقاطع، ومنصّة الاعتراف التي لا تُصدر أحكاماً، بينما تصبح المِرساة رمزاً لكل محاولة للتماسك في وجه انجراف الشعور؛ كلما رُميت في الماء بدت محاولةً لتقييد هذا الانجراف، لكنها في العمق اعتراف باستحالة الهروب من التيار.

تمنح هذه البداية لأي عمل غنائي محتمل بنية درامية واعدة: بطل يفكر ولا يتكلم، وبطلة تحكي للبحر ما لا تجرؤ على قوله لصاحب الشأن، ومشهد مركب وحيد في عرض ماءٍ لا نهاية له. من هذه النقطة يمكن للأغنية أن تتوسع في رسم ملامح العلاقة: هل الصمت خوف أم لامبالاة؟ وهل إلقاء المِرساة محاولة لإنقاذ ما تبقى من رحلة مشتركة، أم إعلاناً غير مباشر عن نهاية وشيكة؟ ما بين السؤالين تملك نجاة مساحةً واسعة لكي تمارس ما تجيده: تحويل أقل قدر من الكلمات إلى أقصى قدر من الإحساس، بصوت يفضل الإيحاء على التصريح، والاهتزاز الخافت على الانفجار المباشر.